أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي

55

ملاك التأويل

فارتفع بهذا التكرار ذلك الاحتمال المتقدم مع انجرار التوكيد فإن قيل فقد تكرر قوله أخيرا " ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " قلت : لما أغقب قوله أولا " ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " بقوله تعالى " وانه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون " زجاءت هذه الآية بين آية الأمر من قوله " فول وجهك شطر المسجد الحرام " وبين ما شأنه أن يكون مبنيا عليها من قوله تعالى " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " ، فلما تباعد عنها كرر توكيدا ولينبنى عليه ما ينبغي اتصاله به وهذا كقوله تعالى " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا ةعظاما أنكم مخرجون " فأعيدت " أنكم " تأكيدا ولينبنى عليه الخبر وكذا أعيد قوله تعالى " ومن حيث خرجت " لينبنى عليه " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " . وبهذا اللحظ لم يتكرر شئ من الآية لمجرد توكيد بل كل مما يظن تكرارا مفيد معنى لم يحصل محرزا مما قبله ووضح التناسب في ذلك كله والله أعلم . الآية السابعة والعشرون : - قوله تعالى : " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار والفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها " . وفى سورة العنكبوت : " ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله " . وفى سورة الجاثية : " واختلاف اليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها " . للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آية العنكبوت بمن دون الأخريين وعن قوله في سورة الجاثية : " وما أنزل الله من السماء من رزق " فسمى الماء النازل من السماء رزقا بخلاف ما في آيتي البقرة والعنكبوت . والجواب عن الأول : أن زيادة " من " في قوله في العنكبوت : " من بعد موتها " زيادة بيان وتأكيد نوسب به ما تقدم من قوله " من نزل " فإن بنية فعل للمبالغة والتكثير وذلك مما يستجر البيان والتأكيد فنوسب بينهما ولما لم يقع في الآيتين الأخرتين إلا لفظ " أنزل " ولا مبالغة فيها ولا تأكيد ولا انجر في الكلام ما يعطيه لم يكن فيهما ما يستدعى زيادة " من " ليناسب بها فلم تقع في الآيتين ولو قدر ورود عكس الواقع بزيادة " من " في آيتي البقرة والجاثية وسقوطها في آية البقرة لما ناسب ذلك أصلا فوضح تناسب الوارد وامتناع خلافه . والجواب عن السؤال الثاني : إن آية الجاثية لما تأخرت في الترتيب الذي استقر